الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم. أما بعد، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} سورة الشمس الآية 8 و9. الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُ العِبَادُ مِنْ حَرَكَاتٍ وَسُكُون، حَتَّى النَّوايا والقُصُود عَلى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ الأَزَلِيَّةِ وعِلْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ جَزَاءً لَهُم، الْحَسَنَاتِ بِالثَّوابِ والسَّيْئَاتِ بِالعِقَاب، والرَّسولُ اسْتَدَلَّ بالآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَأَيَّدَ جَوابَهُ لَهُمَا، لأَنَّ اللهَ أَقْسَمَ بِالنَّفْسِ ومَا سَوَّاها عَلَى أَنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى هُوَ الَّذي يُلْهِمُ النُّفُوسَ فُجُورَهَا وَتَقْواها، أَي أَنَّهُ لا يَكُونُ شَىْءٌ مِنَ أَعْمَالِ العِبادِ خَيْرِهَا وَشَرِّها إِلا بِخَلْقِ اللهِ تعالى فيهِمْ ذَلِكَ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَعْمَالَ العِبادِ كُلَّها خَلْقُ اللهِ تعالى وكَسْبٌ لِلْعِبادِ، أَيْ نَحْنُ نُوجِّهُ إِلَيْهَا القَصْدُ والإرادَةُ والقُدْرَةُ الَّتي هِيَ حَادِثَةٌ، وَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ الشىءِ فَهُوَ بِخَلْقِ الله، قالَ اللهُ تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } [سورة البقرة، الآية 286]. فإِنْ قالَ قائِلٌ: إِذا كانَ اللهُ شاءَ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ كذا مِنَ الكُفْرِ والْمَعَاصي فمَاذا نَفْعَلُ؟ فالْجوابُ أَنْ يُقال: الْمُسْتَقْبَلُ غَيْبٌ عَنَّا، مَا بَعْدَ هذِهِ اللَّحْظَةِ غَيْبٌ عَنَّا، فالَّذي عَلَيْنَا أَن نَسْعَى لأَنْ نَكُونَ قائِمينَ بِحُقُوقِ اللهِ تعالى وَحُقُوقِ عِبادِهِ الَّتي أَمَرَنَا بِهَا، وَنَعْتَقِدَ في الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ عَلِمَ وَشَاءَ أَنَّنا نَسْعَى لِلخَيْرَاتِ، كَانَ ذَلِكَ عَلامَةً عَلَى أَنَّنا مِنَ الَّذينَ شاءَ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْنَّعيمِ الْمُقيمِ في الآخِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّر لَنَا ذَلِكَ، فَلا نَكُونُ مِنْ أُولائِكَ، فلا نَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بَلْ نَخْشَى أَن نَكُونَ مِنَ الَّذين أَرادَ اللهُ بِهِمْ أَنْ يكُونُوا مِنْ أَهْلِ العَذَابِ الْمُقيم. كَمَا أَنَّ الإنْسَانَ يَبْذُرَ البَذْرَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ عِلْمَ يَقينٍ أَنَّهُ يُدْرِكَ مَحْصُولَ هَذَا الزَّرْعَ، فإِمَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ وإِمَّا بِأَنْ تَحْدُثَ ءافَةٌ - عَاهَةٌ - لِهَذَا البَذْرِ، فَتُتْلِفَهُ فَتُفْسِدَهُ، فَلا يُدْرِكَ الانْتِفَاعَ بِذَلِكَ الزَّرْعَ، إِنَّما نَشْرَعُ فيهِ عَلَى الأَمَلِ، أَي عَلى احْتِمالِ أَنَّنا نَعيشُ حَتَّى يُدْرَكَ هَذَا البَذْرَ، فَيَصيرَ حَبًّا، قُوتًا، أَوْ ثِمَارًا يُنْتَفَعُ بِهَا، كَذَلِكَ أَحْيانًا إِذا أُصيبَ بِمَرَضٍ يَتَدَاوى عَلَى الأَمَلِ، لا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ يَتَعَافى بِهَذَا الدَّواء، بَلْ يَقُول: يَحْتَمِلُ أَنْ أَتَعافى بِهَذَا الدَّواءِ ويَحْتَمِلُ أَن لا أَتعافى بِهِ، وَهَذِهِ أُمورُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، العَواقِبُ عَنَّا مَسْتُورَةٌ، مَحْجُوبَةٌ، إِنَّما نَعْلَمُ مَا حَصَلَ قَبْلَ هَذَا فَنَقُولُ هَذَا حَصَلَ بِمَشيئَةِ اللهِ، أَمَّا مَا لَمْ يَقَعْ بَعْدُ فإِنَّهُ غَيْبٌ عَنَّا. وَكَما لا يَجُوزُ لِلإنْسانِ أَنْ يَقْعُدَ وَيَقُول: مَا قَدَّرَ اللهُ تعالى لا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إِلى جَوْفي وَلا يَسْعَى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بَلْ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ بِالْجُوعِ، كَذَلِكَ لا يَجُوزُ أَنْ يَقولَ الإنْسانُ أَنا إِن كانَ اللهُ كَتَبَ أَنِّي سَعيدٌ لا بُدَّ أَنْ أَكُونَ سَعيدًا وإِنْ كانَ كَتَبَ لي غَيْرَ ذَلِكَ لا أَكُونُ سَعيدًا ثُمَّ يَقْعُدُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْعَى لأنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّجاة. ثُمَّ يُقالُ فِعْلُ اللهِ لا يُقَاسُ عَلَى فِعْلِ الْمَخْلُوقِ، أَمَامَنا أَمْرٌ يُوافِقُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ والْمُلْحِدُ، وَذَلِكَ الانْتِفَاعُ بِهَذِهِ البَهَائِم، هَذِهِ البَهَائِمُ خَلْقٌ كَمَا أَنَّنا خَلْقٌ، هيَ تُحِسُّ بِاللَّذَّةِ والأَلَمِ، كَمَا أَنَّنا نُحِسُّ بِاللَّذَّةِ والأَلَمِ، فَهَلْ يَعْتَرِضُ أَحَدٌ مِنَّا عَلَى ذَبْحِ هَذِهِ الذَّبائِحِ للانتِفَاعِ بِهَا؟ هَلْ هُوَ مَحَلُّ اعْتِراضٍ؟ هَلْ يَقُولُ أَحَدٌ مِنَّا أَوْ مِنْكُمْ: هذِهِ البَهائِمُ لَهَا أَرْواحٌ كَمَا أَنَّ لَنَا أَرْواحًا، وَتُحِسُّ بِأَلَمٍ كَمَا أَنَّنا نُحِسُّ بِألَمٍ فإِذًا لا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْضيَ عَلَيْهَا للوصُولِ إِلى لَذَّاتِنَا؟ فَيُقَالُ لَهُمْ كَمَا أَنَّ لا اعْتِراضَ لَكُمْ في هَذِهِ، لَيْسَ لَكُمْ اعْتِراضٌ في أَنَّ اللهَ يُوفِّقُ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذُلُ مَنْ يَشاء، فَيَكُونُ الَّذينَ وَفَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّعيمِ الْمُقيمِ في الآخِرَة، وَيَكُونُ الَّذينَ لَمْ يُوَفِّقْهُم بَلْ خَذَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ العَذَابِ الْمُقيم. "يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يُرِيد، وَيَحْكُمُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاء، لاَ يَرْجُو ثَواباً ولاَ يَخَافُ عِقَابَاً. لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ يَلْزَمُهُ وَلاَ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ، لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون". أَمْرُ الدِّينِ لا يَتِمُّ إِلا بِالتَّسْليمِ لله، أَمَّا أَنْ يُقاسَ الْخالِقُ على الْمَخْلُوق فَهَذَا ضَلالٌ وَخُسْران.
ما شاء الله سلمت أناملك لما سطرت لنا يا أخي بارك الله فيك
بارك الله فيك أخي
أحسن الله إليك, وأيّدك بتوفيقه,,,
Security team