هو العالم الجليل الإمام النحرير الهمام الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله تعالى، الذي وُلدَ عام ( 150 هـ ) من ءال بيت المطلب أبناء عمومة الرسول العربي صلى الله عليه وسلم، وُلدَ بغزة ونشأ بعسقلان وانتقل إلى مكة ليتزود من العلم، مع أنه نشأ في أسرة فقيرة فلقد مات أبوه وهو صغير فَعَاش في ضِيْق مَال ولكن هَذا لَم يَمْنعه من العِلم والمعرفة ولو أن الأمر وصل به إلى كتابة العلم الذي يأخذه على قطع الجلود وسعف النخل وعظام الحيوانات لضيق ذات يده وعدم قدرته على شراء الورق .
حفظ القرءان الكريم وهو ابن سبع سنوات وأخذ يحفظ الأحاديث النبوية ويكتبها، ورحل إلى الصحراء لطلب علم اللغة العربية والشعر وبقي فيها عشر سنوات وتعلم الرمي بالسهام فكان يصيب عشرة من عشرة أسهم ولكنه كان في العلم الشرعي أكثر مما كان في الرمي بالسهام . أذن له وهو بمكة بالإفتاء رغم حداثة سنه ولكنه لم يكتف بذلك فسافر المدينة ليتفقه على يد إمامها مالك بن أنس . بعدما استعارَ كِتَاْب الموطأ للإمام مالك فحفظه وهنا نلحظ أنه لم يكن يستطيع أن يشتري الكتب من شدة الفقر ولم يثنه ذلك عن مقصوده ومبتغاه وهو يعلم أن الله إذا أحب عبداً يهيئ له من يعلمه أمور الدين على الوجه الصحيح، فلما أتى مجلس مالك سأله الإمام مالك عن اسمع فقال محمد فقال له اتق الله يا محمد واجتنب المعاصي فإنه سيكون لك شأن إن الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا طفئه بالمعصية .
وقد تحقق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف : " لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً " ومعناه سيأتي عالم من قريش يملأ جهات الأرض علماً ففكر العلماء على من ينطبق هذا الحديث فوجدوه ينطبق على الإمام الشافعي لأنه من قريش أما الثلاثة الآخرون مالك وأبو حنيفة وأحمد فليسوا من قريش .
وقد أكرم الله تعالى الشافعي بمواهب عديدة ومنها بالإضافة إلى سعة العلم حسن الصورة وحسن الصوت حتى إنه لما كان يقرأ القرءان وهو فتى كان يقصده الناس للاستماع إلى صوته الشجي وكان بعض الجالسين المستمعين لقراءته يتساقطون من شدة خشية الله وما ذاك إلا لسر قراءته رحمه الله رحمة واسعة .