مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعدُ:
فإنهُ ما فَتِئَ أهلُ التشبيهِ والتمويه يتتبعون متشابه الكتاب والسنة ويبنون عليه أصول اعتقادِاتِهم، متخذين مسلك الإفراط والتفريط، أما الإفراط فقد تجلّى في تماديهم في الأخذ بظواهر المتشابهات، وضرب النصوص بعضها ببعض، وتشبيه الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوقات حتى قال قائهم: "أعفوني من الفرج واللحية"، أي هو يثبت لمعبوده المُتَوًهَّمِ كل صفات الإنسان عدا الفرج واللحية!!!
وأما التفريط فهو حاصل بنأيهم عن رد المتشابه إلى المحكم، وتركِ ما كان عليه سلف الأمة وخلفُها من فهم رشيد ونظر سديد وبصر حديد، فكان محصلة حالهم أن ساروا في ظلماتٍ فقر من الزيغ والضلال، فانطبق عليهم صريح قوله تعالى:
{فأمَّا الذينَ في قلوبهم زيغٌ فيتَّبعونَ ما تشابهَ منهُ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلهِ} [سورة ءال عمران/3ي.
ومن تفننهم في التشويش والحشو والتمويه إيرادهم لحديث مشتهرٍ بين الأئمة لفظه، معروف بينهم وجوه المعنى فيه، محمولٍ منهم على ما يُوافقُ الهدي المحمدي السني، وأصول الاعتقاد الصحيحِ، ولكن أبى أقل العالمين عقولاً إلا أن ينحرفواعن جادّة الهدى إلى هاوية الردى، فنمّقوا زخارف من القول، وملؤوا بطون التصانيف بالتشويش والتشويه، رافعين راية التشبيه باسم السلفية، رامين أهل الحق بما فيهم من داء الجهل والتحريف والضلال فتارة يسمونهم بالمعطلة وتارة بالجهمية، ولكن هيهات هيهات، فما سعيهم إلا في خَيّاب بن بَيّاب، وما مبلغهم إلا إدراكُ سراب اليباب!
ولذا تراهم يدورون في المجالس بحديث الجارية الذي ورد في إحدى رواياتِهِ أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد امتحان إيمان جارية فسألها: "أين الله" فقالت "في السماء"، فقال لصاحبها: "أعتقها فإنها مؤمنة" وفي رواية بغير لفظ: "فإنها مؤمنة".
فقالوا قَبَّحَ الله ذكرهم: إن الله موجود في السماء! ومنعوا أي تأويل سائغٍ للحديث ولو كان على وفاق سنن العرب في كلامهم وأساليبهم مدعين أن في ذلك تحريفًا وتعطيلاً.
إلا إنه لا عبرة بهم، فلا عبرة بتصنيفهم للأئمة والعلماء، ولا يلتفت إلى هذيانهم بمنع التأويل عمومًا، وتأويل لفظ هذا الحديث خصوصًا، وكأنهم لا يلتفتوا –جهلاً أو تجاهلاً- إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
فإذا ما أبرزت لهم تفسير العلماء للفظ هذه الرواية وأن المقصود بالسؤال بأين سؤال المكانة والمنزلة إذ هو جارٍ في الأساليب العالية من تخاطب الفصحاء، وأن قول الجارية "في السماء" دلالته التعظيم والإشارة إلى علو القدر والمكانة لا المكان والجهة، فإذا ما أبرزت لهم ذلك رأيت لهم جَلَبةً وضوضاءَ واضطرابًا وثَوَرانًا وفَوَرانًا كمن لسعته عقربٌ أو أصابته صاعقة أو مسٌّ من الشيطان إنكارًا على أهل العلم الأعلام والأئمة الكرام، فلا يقبلون إلا بتفسير النص على ظاهره المقتضي الحلول في السماء بزعمهم، ومشابهة من يوصَف بالحلول في السماء فإذا ما أوردت لهم قوله تعالى: {وهو اللهُ في السمواتِ وفي الأرضِ} وقوله جل شأنه: {وهوَ الذي في السماءِ إلهٌ وفي الأرضِ إلهٌ} فإنك تراهم وقد دهشوا وبهتوا ورأيت أحداقهم تدور في محاجرها، فإن ردفت ذلك بقوله تعالى: {وهوَ معكُم أينَ ما كُنتم} مبيّنًا مقتضى دلالة ظاهر السياق التي يُلْحَظُ فيها تلازم المعية والأينية في معنى الظرفيةِ لكلٍّ فإنه عندئذ يُسقط في أيديهم، ولا ينسبون ببنت شفة!!
وإنه ليسر شركة المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع أن تبرز هذا الإصدار المميز في بابه، الذي طبع بطابع التوثيق الواضح لأقوال علماء الأمة سلفًا وخلفًا في شرح حديث الجارية، وتأويله بما يوافق أصول الاعتقاد والآيات المحكمة التي هي أم الكتاب ليكون فيه تبيانٌ وضاحٌ لما عليه جمهور الأمة المحمدية من الاعتقاد، وإنك لواجدٍ فيه أخي القارئ سبيلاً من النقول الثابتة عن أهل العلم من كتبهم عبر مصورات ظاهرة لما طبع منها مما اخترناه وجمعناه، بحيث تجد صحيفة الغلاف التي تبرز اسم الكتاب واسم المؤلف والمحقق أحيانًا، ثم بعض التفاصيل الأخرى المتعلقة بدار النشر وبلد النشر وتاريخه.. إلخ، ثم تليها الصحيفة أو الصحائف التي فيها البغية للباحث عن الأدلة والغنية له عن شد الرحال إلى المكتبات بما حوته من أدلة مباشرة صريحة تظهر لكل ذي عينين ما عليه أهل العلم من اعتقاد وتنزيه، لتقطع بذلك دابر تمويهات المشبهة الذين يوهمون الناس أن عقيدتهم المنحرفة هي عقيدة علماء الإسلام.
المنصف سيرى بجلاءٍ حقيقة أولئك المشوشين، ومبلغ جهلهم وانحرافهم وكذبهم وافترائهم ولا سيما في ادعائهم أنهم أهل الحديث، أو أنهم هم السلفية، أو أنهم أتباع أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والإمام أحمد منهم بريء، والسلف منهم برءاء، فلم يبق لهم في سوقهم النافقة إلا الكساد وإلا الفساد!!
من عاند الحق لم يعضده برهانُ *** وللهدى حجة تعلو وسلطانُ
من لم ير الشمس لم يحصل لناظره *** بين النهار وبين الليل فرقانُ
الحمد لله حمد العارفين به *** قد نور القلب إسلامٌ وإيمانُ